


الرد: “الجشع الروحي.. هل ضاق الكون بصاحبه؟”
يستوقفني في هذا النوع من الأدعية “عدم اكتفاء” غريب؛ فالنص القرآني صريح في قوله: “وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ”.
لنتساءل معاً:
- أين النقص؟ إذا كانت البحار، الجبال، الرياح، والمجرات مسخرة لخدمة وجودك واستمرارك كإنسان، فما هو “التسخير” الإضافي الذي تبحث عنه في دعائك؟ هل هو “حظ” مادي يأتي بلا جهد؟ أم رغبات شخصية تكسر عدالة الفرص بين البشر؟
- عبودية “الأنا”: صاحب المنشور يطلب “تسخير الحظوظ”، وكأنه يرى أن سخرية الكون الواسع بنظامه المذهل لا تكفيه. هذا يعكس “أنا” متضخمة لا تشبع، تظن أن الله يجب أن يتفرغ لترتيب حظوظها اليومية وكأنها مركز الوجود الوحيد.
- التسخير هو “قانون” وليس “واسطة”: التسخير الذي ذكره القرآن هو تسخير قوانين (الجاذبية، الضوء، النمو)، وليس “محاباة” لشخص على حساب آخر. الوعي الحقيقي هو أن تفهم كيف تستفيد من هذا التسخير الكوني بالعمل والبحث، لا أن تطلب من “المسخر” أن يلعب دور “موظف الخدمات” لرغباتك.
“ما بين القداسة والمصدر.. قراءة في جذور الكلمات”
جميل جداً هذا الالتجاء الروحي، لكن من منطلق الأمانة المعرفية التي ننتهجها في المدرسة الوجودية، يستوقفنا سطر جوهري في هذا الدعاء:
“سخّر لنا من حظوظ الدنيا ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر”
لنتأمل قليلاً:
هذا النص الجمالي البديع، الذي يردده الملايين اليوم كجزء من الموروث، هو في الحقيقة نص عابر للحضارات والأديان:
- نجد أصله الموثق تاريخياً في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس (2:9) التي كُتبت في القرن الأول الميلادي.
- ثم انتقل ليُصاغ في الموروث الإسلامي كحديث قدسي رواه البخاري ومسلم.
- واليوم، نراه يتحول إلى “دعاء” بصياغة عصرية.
النقطة الجوهرية:
نحن لا نعترض على جمال المعنى، ولكننا نتساءل عن “غياب المصدر”.
- لماذا عندما نستخدم هذه الكلمات، ننسى أنها نتاج فكر روحي سبقه بقرون؟
- هل قوة الدعاء تكمن في نسبه لجهة واحدة، أم في كونه “إرثاً إنسانياً” مشتركاً يعبر عن تطلعات الروح البشرية؟
إن إرجاع الفضل لأصحابه (سواء كانوا أنبياء، حكماء، أو شعوباً قديمة) لا ينقص من قيمة الروحانية، بل يضيف إليها صفة “الأمانة” و**”الصدق الوجودي”**.
دعونا نتأمل في ما نقرأ، فالبحث عن الجذور هو أول طريق الوعي.
الخلاصة:
من يطلب تسخيراً فوق تسخير الكون، هو شخص لم يبصر عظمة ما لديه أصلاً. الوعي في المدرسة الوجودية يبدأ من الاكتفاء بالقوانين العادلة والعمل ضمنها، لا في محاولة استجداء “استثناءات” أقرب للوهم منها للواقع

“الاستعلاء الوهمي”.
صاحب المنشور يجسد حالة من “الجموح الروحي” الذي يتخطى كل حدود المنطق الوجودي. هو لا يطلب فقط حظاً أو رزقاً، بل يطلب “السيادة الكونية المطلقة”؛ يريد أن يطوي العالم وقوانينه وكائناته (من ملائكة وجنود أرض وسماء) ليصبحوا جميعاً “موظفين” في مكتب رغباته الشخصية.
الرد: “هل الإنسان سيد الكون أم عبده؟”
عندما نقرأ هذا “الدعاء” بعين المدرسة الوجودية، نصطدم بنوع من “تضخم الأنا” الذي لا سقف له. صاحب المنشور يطلب تسخير (الجبال، القلوب، جنود الأرض، ملائكة السماء، وكل من تولى أمراً)!
لنتوقف عند هذه المفارقة:
- تسخير الملائكة؟ في المنطق الديني، الملائكة كائنات تنفذ أمر الخالق الكوني الشامل، فبأي استحقاق يطلب “فرد” أن يكون هو الآمر والناهي وتكون الملائكة في خدمته الشخصية؟ هل هو نقص في “التسخير الطبيعي” الذي وهبه الوجود للإنسان، أم هو رغبة في “تأليه الذات”؟
- غياب التواضع الوجودي: الإنسان الواعي يدرك أنه “جزء” من منظومة كبرى، يحترم القوانين وينسجم معها. أما طلب تسخير “كل شيء” فهو تعبير عن حالة من العجز المقنع؛ فبدلاً من أن يسعى الإنسان ليكون نافعاً للوجود، يطلب من الوجود أن ينحني لخدمة راحته.
- النرجسية الدينية: هل فكر صاحب المنشور، لو أن الله استجاب لهذا الدعاء لكل شخص، كيف سيتصارع 8 مليار “سيد كوني” يملك كل منهم جنوداً وملائكة مسخرة؟ إن القوانين الكونية وُجدت لتحمينا من رغباتنا، لا لتكون أداة في يد نزواتنا.
الخلاصة:
التسخير الحقيقي هو الذي منحه الله للعقل ليبدع ويصنع، وليس “صك ملكية” للكون نطلبه بالكلمات. إن من يريد تسخير الملائكة وهو لا يستطيع تسخير “نفسه” للعمل والاجتهاد، هو غارق في وهم كبير.
النقطة الجوهرية:


التحليل الوجودي: “لو كان هؤلاء الشيوخ بحاجة إلى فك عقدة اللسان، فالذكاء الاصطناعي أقرب لهم من حبل الوريد. ليس لمساعدتهم على النطق، بل لمساعدتهم على الصدق والفهم قبل الإقناع
براعة اللسان واضحة: لا يحتاجون لمساعدة في النطق أو الإلقاء.
استدعاء المعجزة رمزياً: الدعاء هنا يتحول إلى طقس روحاني أو عرض للورع، وليس طلبًا حقيقيًا لحل مشكلة نطق.
المفارقة: القوة الحقيقية للكلمة ليست في طلاقتها، بل في قدرتها على تحريك العقول وفتح الوعي.
العقدة الحقيقية: ليست في اللسان، بل في عقدة الفهم والوعي—لدى الخطيب والجمهور معًا.


نجم الدين ياسين




الخلاصة السيادية
الطب النفسي الوجودي: هل التذمر صفارة إنذار مقدسة؟
السؤال للجمهور:
اقرأ المقال الكامل هنا:

“القمرُ مرآةٌ تشفُّ عن روحِ الأرضِ، والأرضُ مرآةٌ تعكسُ أسرارَ السماءِ، ومن وئامِهما ينبعِثُ الوعيُ ليشهدَ الروعةَ في كليهما ويدركَ اتحادهما الأبديَّ.”
