السيرة الذاتية العمامة البيضاء

في الخامسة من عمري، لم يبقَ في ذاكرتي عن والدي سوى صورة واحدة راسخة: عمامته البيضاء. كان أبي الشيخ أحمد ياسين، ورغم غيابه المبكر بقي حضوره قويًا في مخيلتي. كنا نسكن في بيت طيني بسيط، جدرانه رمادية مبنية من التراب والقش، وفيه نافذة صغيرة يدخل منها الضوء بخجل. على الرفوف كان هناك كنب قديم بدا وكأنه شاهد على عصور سابقة.

في إحدى ليالي الشتاء القارس، خرجت أمي إلى الدكان لتبدل بعض البيض بقليل من الطعام. أشعلت لنا المدفأة قبل أن تغادر، لكن النار اندلعت فجأة. حاولت إنقاذ أخي الأصغر، لكنه فقد الوعي وأحرقت النار نصف جسده. التهمت النيران البيت كله، ولم أرَ سوى الكتب المرصوصة تتحول إلى رماد. كان ذلك أول امتحان لي في مدرسة الوجود: أن النار ليست فقط قوة للتدمير، بل قوة للتغيير تترك أثرًا لا يمحى.

بعد الحريق، كنت أسأل أمي: “ماما، لماذا سميتموني نجمو؟” فتبتسم وتقول: “أبوك كان يحبك كثيرًا، وكان شيخ القرية. أحب قريته نجموك حبًا شديدًا، ولشدة حبه لك سمّاك نجمو.”بعدما هُدِمَ بيتنا، وجدنا أنفسنا بلا مأوى. لم يتبقَ لنا شيء، فاضطررنا إلى الرحيل عن قرية “نجموك” والانتقال إلى قرية “أبو راسين”. عند وصولنا، كانت علاقة عمي محمد ياسين بأمي لم تكن جيدة، وبقينا ضيوفاً عند صديقة لأمي قرابة أسبوعين.

​لم تكتفِ أمي بالمبيت عند صديقتها، بل سارعت إلى العمل. فقد كان لوالدي أرض زراعية، وبعد شهر من الجهد، أخرجت أمي محصول القمح وباعته، وبثمنه أعادت لنا الأمان؛ فقد بَنَت لنا بيتاً صغيراً يتكون من غرفتين في قرية أبو راسين، واستقرينا فيه أنا وأختي زبيدة وأمي.

طريق العلم والشيخ مجيد: في هذه الأثناء، أخذتني أمي إلى شيخ القرية لكي أتعلم القراءة والكتابة. رحب بي الشيخ مجيد، وقال لها: “سأبذل كل الجهد، وأُخرِجُ منه خلال ستة أشهر من يحفظ القرآن ويكتب.” خلال شهر واحد، كنت قد أتقنت الأحرف، وبعد ستة أشهر، كنت قد أتممت حفظ جزء عمّ.

التفوق المبكر والتحديات الاقتصادية: سجلتني أمي في مدرسة قرية أبو راسين بعمر ست سنوات، ودخلت الصف الأول. لاحظ المدير تفوقي فنقلني مباشرة إلى الصف الثالث الابتدائي. بعد ثلاث سنوات، أنهيت دراستي الابتدائية. كان لا بد لي من الانتقال إلى مدينة القامشلي لإكمال المرحلة الإعدادية، لكن الصعوبة كانت تكمن في المدينة؛ لم يكن لنا مسكن، ولم يكن لدى أمي القدرة المادية. اضطرت أمي أن أتوقف عن الدراسة وبدأت العمل معها ومساعدتها في الزراعة وتربية المواشي.

زواج الأم والملجأ الجديد: عندما بلغتُ الثالثة عشرة من عمري، تزوجت أمي بأحد الرجال، وكان اسمه داود (رحمه الله)، وكان بمثابة أب حنون وحكيم لنا. ظللت أنا وأخي الأصغر مني في البيت، لكن أمي لم تتركنا يوماً؛ كانت تهتم بنا وكأننا ما زلنا نسكن معها في البيت نفسه. في أحد الأيام، وصل إلى القرية معلم شاب اسمه أحمد معشوق الخزنوي. استأجر الغرفة المجاورة لغرفتي مباشرة (وكان نظام القرية يفرض على الأهالي تقديم الطعام للمعلم). لمدة ستة أشهر، كنت أنا من يتسلم الطعام من الأهالي وأجهزه للمعلم في الغرفة المجاورة.

صرخة في الظهيرة: المفاجأة حدثت عندما أتت فتاتان تحملان الطعام، وعندما دخلتا الغرفة المجاورة، سمعت صراخاً قوياً وإذا بالباب قد أغلق عليهما تلقائياً. قمتُ وفتحت الباب، ورأيتهما في حالة هستيرية؛ عيونهما مملوءة بالخوف والبكاء والصراخ. هرعتا خارج البيت وهما تصرخان بصوت عالٍ.

ثورة القرية وقرار الرحيل: انتقل الصراخ والضجيج إلى أربعمائة بيت مجاور. تجمّع أهل القرية كلها، شبابها ونسائها، في مظاهرة ثورية صاخبة، يطالبون بخروجي. عاد المعلم أحمد الخزنوي ورأى أهل القرية يصرخون بالشتائم: “يا للعار! يا مغتصب!”. تدخل المعلم وهدأ الجميع تدريجياً. لكن المسألة لم تنتهِ هنا، فكلما خرجت من البيت، كانت البصقات تملأ وجهي، وتنهال عليّ أقسى الشتائم. استمر هذا الحال لعدة أيام، فاضطررت أن أتحدث مع أمي، واتخذت قرار الرحيل لوحدي من تلك القرية. كانت الهجرة إلى لبنان هي المهرب الوحيد من ظروف الإهانات والاتهام الباطل.

في سنة 1960، لم يعد لنا بيت. حملتنا أمي، أنا وأختي زبيدة وأخي ضياء الدين نصف المحروق، وانتقلنا إلى قرية أبو راسين التابعة للقامشلي. استقر بنا الحال هناك حتى عام 1966. لم يعد البيت جدرانًا وسقفًا، بل صار حيث تكون أمي وإخوتي. في سنة 1961، أخذتني أمي إلى شيخ القرية ترجوه أن يعلمني القرآن ولو من السور القصيرة. نظر الشيخ إلي ثم ابتسم وقال: “هذا ابن الشيخ أحمد ياسين… يستحق أن يتعلم.”

كانت تلك أول مرة أسمع اسمي مرتبطًا باسم والدي في مقام التعليم. جلست أتعلم الحروف: أ – ب – ت – ث… بخط صغير مرتجف يثبت يومًا بعد يوم. لم يمض عام حتى صرت أقرأ وأكتب وأتفوق على زملائي. شعرت أن صوت والدي يرافقني من بعيد: “أكمل الطريق يا بني.”
ثم أضافت: “أخوالك يعيشون في لبنان. سأرافقك وأسلمك إلى أحدهم.”

وهكذا قررنا الرحلة الكبرى. قطعنا معًا حوالي 800 كيلومتر حتى وصلنا إلى لبنان، إلى بلدة صغيرة جميلة تُدعى بكفيا. شعرت أنني أودع طفولتي القروية لأدخل امتحانًا جديدًا. إذا كانت نار الحريق قد شكّلت أول امتحان، فإن غربة لبنان كانت الامتحان الثاني، الأشد قسوة.في بكفيا استقبلني خالي حميد في غرفة صغيرة بسرير واحد. لم يكن يملك الكثير، لكنه فتح لي أبواب مرحلة جديدة. كنت في الرابعة عشرة، جسدي نحيف وزني خمسون كيلوغرامًا، وروحي مثقلة بالغربة.

رأيت أدوات رياضية في غرفته، فقال لي: “يا ابن أختي، الحياة هنا صعبة. تعال أعلّمك كيف تدافع عن نفسك.” بدأ يدربني على حمل أوزان بين أربعين وسبعين كيلوغرامًا. كنت أسقط تحتها وأصرخ: “خال، هل تسخر مني؟ أي رياضة هذه؟” فيبتسم ويجيب: “هذا هو الدعك يا بني. إن لم تتعب الآن، فلن تعرف كيف تواجه مرارة الحياة.”

فهمت بعد سنوات أنه لم يكن يقوّي جسدي فقط، بل يعلّمني الصبر على ثقل الغربة كما الأوزان.

بعد أيام وجد لي عملاً في سوبرماركت. كنت أنقل جرب الغاز، أنظف الواجهة، وأساعد في بيت صاحب المحل بعد الإغلاق. عملي امتد أربع عشرة ساعة يوميًا مقابل ثلاثة دولارات فقط. لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه كان بداية الاستقلال. هناك في بكفيا تعلّمت أن الغربة لا ترحم، وأن الصبر هو العضلة الأقوى التي يجب أن يتدرب عليها الإنسان. بعد عدة أشهر في بكفيا مع خالي حميد، شعرت أن الغرفة الصغيرة لم تعد تسع أحلامي ولا غربتي. قررت أن أنزل إلى بيروت عند خالي الثاني، يونس، وكان يعمل ناطورًا في مدرسة كبيرة بمنطقة الظريف.

استقبلني خالي يونس بترحاب، وأسكنني معه ومع عائلته. كانت غرف المدرسة واسعة بما يكفي لتحتضننا جميعًا. قضيت ستة أيام عنده وكأنني وجدت بيتًا آخر. لعبت مع أولاده الصغار، وبدأت أشعر بالدفء يملأ قلبي من جديد.

بحث لي خالي عن عمل يناسبني، فوجد لي محل سمانة صغير، أصغر من السوبرماركت الذي عملت فيه سابقًا. استقبلني صاحب المحل بلطف، وعلمني أصول المهنة: كيف أستقبل الزبائن، كيف أرتب البضاعة، وكيف أوصل المشتريات إلى البيوت. كنت أعمل ثماني ساعات يوميًا مقابل خمسة دولارات، بالإضافة إلى بخشيش الزبائن.

كنت أعمل طوال النهار في محل السمانة، وأعود مساءً إلى المدرسة حيث يسكن خالي يونس. كل يوم كنت أضع ما أجمعه من مال عند زوجة خالي لتصونه لي، لعلّه يكون زادًا أستعين به في غربتي.

لكن ذات فجرٍ قاسٍ، وبينما كنت أرتب ما عندي، شعرت بضربة قوية على ظهري وصوتٍ غاضب يصرخ: “قم وارحل من بيتي أيها المختل!”

دفعني خالي إلى خارج باب المدرسة بقسوة. وجدت نفسي واقفًا في الشارع، أبكي وأتوسل: “خالي، والله العظيم ما كان قصدي… أرجوك افتح لي الباب. اضربني كما تشاء، لكن لا تتركني في الشارع. أنا غريب هنا، لا أعرف أحدًا ولا أين أذهب.”

استيقظ بعض الجيران على صراخي. كانوا ينظرون إليّ بعين الشفقة، لكن لم يجرؤ أحد على مدّ يد العون. بقيت أمام الباب أرتجف من البرد والخذلان، ودموعي تنهمر بلا توقف.

في تلك اللحظة شعرت أن الغربة تحولت إلى امتحان آخر، أشد قسوة من الأوزان ومن العمل الطويل. كان الطرد المفاجئ صفعةً علّمتني أن الأمان قد ينهار في لحظة، وأن الإنسان لا بد أن يجد قوته في داخله ليقف من جديد.

بعد أن ضاقت بي السبل في بيروت، وجدت نفسي أعيش بين مشاهد شاهدة على عظمة هذه المدينة الكبيرة: ساحة الشهداء. لكن بيتي الجديد لم يكن غرفة ولا مأوى، بل عربة خضار مسطحة مكشوفة، بثلاث عجلات، تُستخدم لحمل حوالي سبعين كيلوغرامًا من الخضار. لم يكن لها داخل ولا سقف ولا جدار، مجرد سطح خشبي عارٍ وبارد.

عند حلول المساء، لم يدخل فمي لا ماء ولا خبز. جلست قرب العربة، ورأيت بعض فضلات الخضار المتروكة: بضع حبات من البندورة والخيار. تناولتها وكأنها وجبة كاملة، ثم ما إن فرغت حتى قمت بتنظيف العربة، جمعت الفضلات ورميتها في مكان القمامة.

بعدها بدأت أبحث في تلك الأزقة عن الكراتين. جمعت ما وجدته من كراتين نظيفة، فرشتها على سطح العربة كفراشٍ أنام عليه. لم يكن عندي غطاء أستتر به من برد الفجر، كنت مكشوفًا تمامًا، لكن التعب غلبني فاستسلمت للنوم.

في ساعات الفجر الأولى، أيقظني صوت غاضب ويد ثقيلة تهوي على ظهري: “قم! ماذا تفعل هنا؟”

فتحت عيني بصعوبة، وإذا بصاحب العربة نفسه واقف أمامي. نظرت إليه بخجل وقلت بصوت مرتجف: “ليس لدي مكان… خالي طردني، ولا أعرف أين أنام.” تأملات ودروس من الفصل الرابع

العثور على الكرامة في أدنى الأماكن: في ساحة الشهداء، وعلى عربة الخضار، أدركت أن الكرامة لا تُشترى بالمال بل بالعمل. وفي هذا الظلام، أضاء لي صاحب العربة درساً في الإنسانية البسيطة التي لا تعرفها القصور.

قوة الدعك والجغرافيا: أدركت حكمة خالي حميد؛ فجبال بكفيا وأدراجها القاسية لم تكن مجرد مشقة، بل كانت تمريناً إجبارياً للدعك وتقوية العضلات استعداداً لعمل الحياة الحقيقي.

مرارة الخذلان الأسري: اكتشفت أن القرابة قد تكون سبباً في المأساة وليس في الملجأ. وكانت الصدمة الأكبر هي الطرد من خالي يونس، الأمر الذي رسّخ ضرورة الاعتماد الكلي على الذات.

ردّ واحد على “”

التعليقات مغلقة.