
عرس بيروت وأعتاب النعيم
بدأنا نبحث عن سكن، فوجدنا غرفتين في أحد البيوت المجاورة لـ برج المر وسط العاصمة بيروت. استقرينا وعملنا عرساً صغيراً، كان السطح كمسرح سينمائي يطل على كل بيروت. كنت أشاهد نظرات الناس في الشوارع وهم يتفرجون على هذا العرس الذي غطى زوايا لبنان بالفرح، وكلما طال الغناء، امتلأت الشوارع المحيطة بالسطح الذي تحول إلى مسرح عرسي.
بعد انتهاء العرس الذي دام سبع ساعات، استقرينا في ذلك البيت لمدة سنة، ورزقنا الله بأول بنت، سميتها سوسن. بعد مرور سنتين، انتقلنا من ذلك البيت واستأجرنا بيتاً في منطقة البسطة التحتا. كبرت ابنتي، ورزقت بولد آخر سميته أحمد.
اللقاء بعد عقد من الغياب (10 سنوات)
في أحد الأيام، وأنا عائد من عملي في الفرن إلى البيت، رأيت امرأة تصلي مغطاة بثوب أبيض. وقفت ونظرت إليها، فشممت رائحة غريبة تدخل داخلي، شعور غريب جعلني أفكر: “هل يا ترى هذه أمي؟”
جاءتني لحظة جنون ورميت حالي عليها دون أن أرى وجهها، وهي في منتصف الصلاة. التفتت عليّ وحضنتني، وبدأت المشاعر المكدسة تطفو على السطح بالبكاء الممزوج بالفرح. لم أصدق ما شاهدته. كانت هذه مفاجأة العشرة سنين التي لم أرَ أمي فيها بسبب الافتراء الذي وقع عليّ وحرمني من عطفها وحبها.
لم أكن أرغب في أن تترك تلك التواطف الجياشة أن تمر؛ بقيت معها في الأحضان كالنحل يشتاق لريحانه. بعد انتهاء العطف والحنان، كنت أنظر إلى عينيها، لم أرَ سوى كلمة صامتة تقول: “الله يسامحهم على العمل الذي فعلوه بك يا بُني والافتراء.” بقيت عندنا شهراً، ثم رجعت إلى سوريا، وتركت لي حزناً في أعماقي لم يندمل.
النجاح التجاري وقرار الهجرة الأخير
بعد سنة تقريباً، انتقلنا إلى منطقة الخندق الغميق بين المنطقة الشرقية والغربية، وكان ذلك عام 1983، وما زال القصف والقتل على الهوية مستمراً.
قررت أن أترك الفرن واشتريت بيكاب، وبدأت العمل في تجارة الخضار وضمان البساتين. أصبحت أربح في تجارة الخضار ما بين 300 إلى 400 دولار باليوم صافي. خلال سنتين، كنت قد فرشت البيت بالكامل، وكان لدي أربع سيارات من الطراز الأول أمريكية وألمانية، إضافة إلى البيكاب لتجارة الخضار.
في تلك السنوات، استمرت الحرب ولم يستقر الإخوة اللبنانيون على عقل راجح. في عام 1986، قررت أن أترك لبنان والهجرة إلى ألمانيا.
لكن كان هناك قرار صعب قبل الهجرة؛ السفر إلى ألمانيا يتطلب جوازات سفر سورية، ولم يكن باستطاعتي الذهاب إلى سوريا بسبب الخدمة العسكرية الإلزامية التي أصبحت مخالفاً لها، والتي كانت تتطلب ثلاث سنوات.
كان القرار قاسياً: إما أن أترك زوجتي وولدين، وبطن زوجتي حامل بالولد الثالث، وأذهب إلى الخدمة العسكرية ولا أعرف مصيرهم بعدي، أو اللجوء إلى ألمانيا وترك كل شيء ورائي. اخترت القرار الثاني خوفاً من أي قذيفة عشوائية تودي بحياة عائلتي. فقررت الرحيل دون الرجوع إلى سوريا ودون وداع أمي وإخوتي. أخرجت جواز سفر مزور لي ولعائلتي، وقطعنا تأشيرة إلى ألمانيا، بعدما بعت كل شيء أملكه.
⭐ تأملات ودروس من الفصل السابع
هذا الفصل هو خلاصة الإصرار على الحياة رغم عبث الحرب:
- العائلة أولاً: بعد الخذلان الأول، جاء خالي أبو يوسف ليجسد معنى التضامن العائلي وجبر الخاطر. أما الزواج، فكان هو إرساء الركيزة الصلبة التي تبنيت عليها كل نجاحاتي اللاحقة.
- قوة السوق في زمن الحرب: أثبتت هذه الفترة أن العامل الماهر والشجاع يستطيع أن يحقق نجاحاً باهراً حتى وسط الدمار. ففي حين كان الجميع يتقاتل، كنت أنا أتاجر في الخضار، محولاً الفوضى إلى ثراء، ما يؤكد أن الجهد الفردي الصادق لا تهزمه المدافع.
- ثمن الأمان: كان اللقاء بالأم هو المعجزة العاطفية التي أنهت عقداً من الألم. لكن القرار الأخير بالهجرة من لبنان هو أصعب درس في الحياة: أن الأمان لأفراد العائلة أغلى من المال والوطن ومن الوداع الأخير. الهروب بجواز سفر مزور كان تضحية أخيرة لضمان مستقبل العائلة وسلامته
- السيرة الذاتية رقم ٧
- 📖 الفصل السابع: الزواج، العودة، وثمن الاستقرار (1979 – 1986)
- بعد المفاجأة المذهلة على عتبة الباب، استمر اللقاء يومياً في بيت خالي أبو يوسف. كان خالي رجلاً مباركاً، لديه سبعة شباب وأربع بنات. ورغم كل شيء، بقيت أنام في الغرفة التي جهزتها لي في فندق “هوليدي إن” المدمر أثناء عملي في الفرن.
- وجاء يوم طلب الزواج. لم يكن هناك مراسم خطبة تقليدية، ولم يكن لدي عائلة تمثلني لأطلبها رسمياً. فقال خالي أبو يوسف:
- ”يا نجم الدين، سوف نقسم أنا وأولادي وبناتي إلى قسمين؛ قسم يمثلك أنت، وقسم يمثل حبيبتك. إذا كنت أنت شايف أنك موافق، صلِّ على النبي.”
- رأيت في كلامه كل العائلة التي حُرمت منها. فقلت له: “أنتم كلكم عائلتي!” وهكذا، بموافقة الفريقين (الأسري المتجذر)، تم عقد الزواج.
- عرس بيروت وأعتاب النعيم
- بدأنا نبحث عن سكن، فوجدنا غرفتين في أحد البيوت المجاورة لـ برج المر وسط العاصمة بيروت. استقرينا وعملنا عرساً صغيراً، كان السطح كمسرح سينمائي يطل على كل بيروت. كنت أشاهد نظرات الناس في الشوارع وهم يتفرجون على هذا العرس الذي غطى زوايا لبنان بالفرح، وكلما طال الغناء، امتلأت الشوارع المحيطة بالسطح الذي تحول إلى مسرح عرسي.
- بعد انتهاء العرس الذي دام سبع ساعات، استقرينا في ذلك البيت لمدة سنة، ورزقنا الله بأول بنت، سميتها سوسن. بعد مرور سنتين، انتقلنا من ذلك البيت واستأجرنا بيتاً في منطقة البسطة التحتا. كبرت ابنتي، ورزقت بولد آخر سميته أحمد.
- اللقاء بعد عقد من الغياب (10 سنوات)
- في أحد الأيام، وأنا عائد من عملي في الفرن إلى البيت، رأيت امرأة تصلي مغطاة بثوب أبيض. وقفت ونظرت إليها، فشممت رائحة غريبة تدخل داخلي، شعور غريب جعلني أفكر: “هل يا ترى هذه أمي؟”
- جاءتني لحظة جنون ورميت حالي عليها دون أن أرى وجهها، وهي في منتصف الصلاة. التفتت عليّ وحضنتني، وبدأت المشاعر المكدسة تطفو على السطح بالبكاء الممزوج بالفرح. لم أصدق ما شاهدته. كانت هذه مفاجأة العشرة سنين التي لم أرَ أمي فيها بسبب الافتراء الذي وقع عليّ وحرمني من عطفها وحبها.
- لم أكن أرغب في أن تترك تلك التواطف الجياشة أن تمر؛ بقيت معها في الأحضان كالنحل يشتاق لريحانه. بعد انتهاء العطف والحنان، كنت أنظر إلى عينيها، لم أرَ سوى كلمة صامتة تقول: “الله يسامحهم على العمل الذي فعلوه بك يا بُني والافتراء.” بقيت عندنا شهراً، ثم رجعت إلى سوريا، وتركت لي حزناً في أعماقي لم يندمل.
- النجاح التجاري وقرار الهجرة الأخير
- بعد سنة تقريباً، انتقلنا إلى منطقة الخندق الغميق بين المنطقة الشرقية والغربية، وكان ذلك عام 1983، وما زال القصف والقتل على الهوية مستمراً.
- قررت أن أترك الفرن واشتريت بيكاب، وبدأت العمل في تجارة الخضار وضمان البساتين. أصبحت أربح في تجارة الخضار ما بين 300 إلى 400 دولار باليوم صافي. خلال سنتين، كنت قد فرشت البيت بالكامل، وكان لدي أربع سيارات من الطراز الأول أمريكية وألمانية، إضافة إلى البيكاب لتجارة الخضار.
- في تلك السنوات، استمرت الحرب ولم يستقر الإخوة اللبنانيون على عقل راجح. في عام 1986، قررت أن أترك لبنان والهجرة إلى ألمانيا.
- لكن كان هناك قرار صعب قبل الهجرة؛ السفر إلى ألمانيا يتطلب جوازات سفر سورية، ولم يكن باستطاعتي الذهاب إلى سوريا بسبب الخدمة العسكرية الإلزامية التي أصبحت مخالفاً لها، والتي كانت تتطلب ثلاث سنوات.
- كان القرار قاسياً: إما أن أترك زوجتي وولدين، وبطن زوجتي حامل بالولد الثالث، وأذهب إلى الخدمة العسكرية ولا أعرف مصيرهم بعدي، أو اللجوء إلى ألمانيا وترك كل شيء ورائي. اخترت القرار الثاني خوفاً من أي قذيفة عشوائية تودي بحياة عائلتي. فقررت الرحيل دون الرجوع إلى سوريا ودون وداع أمي وإخوتي. أخرجت جواز سفر مزور لي ولعائلتي، وقطعنا تأشيرة إلى ألمانيا، بعدما بعت كل شيء أملكه.
- ⭐ تأملات ودروس من الفصل السابع
- هذا الفصل هو خلاصة الإصرار على الحياة رغم عبث الحرب:
- العائلة أولاً: بعد الخذلان الأول، جاء خالي أبو يوسف ليجسد معنى التضامن العائلي وجبر الخاطر. أما الزواج، فكان هو إرساء الركيزة الصلبة التي تبنيت عليها كل نجاحاتي اللاحقة.
- قوة السوق في زمن الحرب: أثبتت هذه الفترة أن العامل الماهر والشجاع يستطيع أن يحقق نجاحاً باهراً حتى وسط الدمار. ففي حين كان الجميع يتقاتل، كنت أنا أتاجر في الخضار، محولاً الفوضى إلى ثراء، ما يؤكد أن الجهد الفردي الصادق لا تهزمه المدافع.
ثمن الأمان: كان اللقاء بالأم هو المعجزة العاطفية التي أنهت عقداً من الألم. لكن القرار الأخير بالهجرة من لبنان هو أصعب درس في الحياة: أن الأمان لأفراد العائلة أغلى من المال والوطن بجواز سفر مزور كان تضحية أخيرة لضمان مستقبل العائلة وسلامته

