قصة الحرية والفكر: كيف تركت شهود يهوه

من رحلة البحث عن اليقين: من التلمذة إلى الحرية

في سنة 1988، عندما كنت أعيش انا وعائلتي  في ألمانيا، وذات يوم، طُرق باب البيت. فتحت الباب، فإذا بشابَّين واقفَين. سألاني: “ممكن أن نناقش مسألة الدين؟” فقلت لهما: “تفضلا.” عرّفاني عن نفسيهما بأنهما من جماعة شهود يهوه. دار النقاش لمدة ساعتين، وبعدها سلَّماني كتيباً صغيراً مكتوباً فيه: “الإذعان الحقيقي لله.” واتفقنا على موعد آخر بعد أسبوع. قالا لي: “سنرجع بعد أسبوع ونناقش في الكتيب الصغير.” الكتيب الصغير كان كله آيات قرآنية، فاعتقدت في البداية بأنهما من جماعة مسلمة.

لكن بعد أسبوع، عندما أتيا، أوضحا لي بأنهما من شهود يهوه، ومنفصلان عن كل الأديان. كان عندي بعض الملاحظات عن الكتاب: “لماذا مذكور الكتاب كله عن عيسى المسيح ولم يُذكر فيه محمد (صلى الله عليه وسلم)؟” فقالا لي: “نحن نتبع المسيح الحقيقي.” فقلت: “لا بأس، لأغص في أفكارهم وإلى أين تتجه الأمور.” وبعدة عدة أشهر، أصبحنا كأصدقاء، ومن كثرة اشتياقي لهم ولاجتماعاتهم المُنظَّمة، قررت أن أنضم إلى الجماعة. بعد ستة أشهر، أصبحت واحداً منهم بعدما عمَّدوني بالماء. وبعد سنة، أصبحت مرشداً ومبشراً، وبنيت صداقات مع حوالي 60 عائلة تنتمي لشهود يهوه.

ومع مرور السنين، بدأ الشكّ يتحول إلى يقينٍ من نوعٍ جديد — يقين لا يشبه الإيمان القديم، ولا يتناقض معه، بل يعانقه من زاوية أخرى… زاوية الحرية. كنت أرى أن الإنسان لا يولد حرًا، بل يصبح حرًا عندما يبدأ بالسؤال، وأنّ الحرية ليست أن تكسر القيود، بل أن تفهم لماذا وُضعت تلك القيود أصلًا. هكذا تحوّل بحثي من محاولة للهروب من الظلام، إلى رغبةٍ في فهم طبيعة النور ذاته. وبين الليل والنهار، بين الشكّ والإيمان، كنت أتعلم أن الوعي ليس محطة، بل طريق ممتدّ بينهما. في نهاية المطاف، أدركت أن الحقيقة لا تقيم في الكتب، ولا في العقول، بل في التجربة التي يعيشها الإنسان بكامل وعيه.

📖 الدرس الأول — تلميذ في مدرسة الغرباء

في البداية كنتُ معهم كطفلٍ يجلس في الصفّ الأول من مدرسةٍ لا يعرف لغتها. دخلت إلى اجتماعات شهود يهوه، كانت جلساتهم تشبه الحصص المدرسية: كراريس مفتوحة، ووجوهٌ مستمعة بإصغاء، وأصواتٌ تشرح النصوص كأنها تفسّر سرّ الوجود.

جلستُ بينهم أراقب أكثر مما أتكلم. كنت أندهش من نظامهم، من حماسهم، من ثقتهم في ما يقولون. لم يكن عندي التجربة التي تؤهلني للجدال، ولا العقل الحرّ الذي يفرّق بين الإقناع وبين التلقين. كنتُ في تلك المرحلة تلميذًا في مدرسة الغرباء، أتعلم كيف يفكر الآخر، وأكتشف للمرة الأولى أن الإيمان له أوجه كثيرة، وأن الحقيقة لا تُمنح دفعةً واحدة، بل تُقطَّر على مهلٍ في وعاء التجربة.

🌼 الانجذاب — حين وجدت العائلة في الإيمان

انجذبت إليهم كما تنجذب النحلة إلى رياحينها، مدفوعًا بشيءٍ يشبه الحبّ والتقدير أكثر من القناعة. كنت أجد في وجوههم طمأنينةً غريبة، وفي أحاديثهم دفئًا افتقدته طويلًا بين جدران التقليد. كلما جلست معهم أكثر، كنت أشعر أنني أنتمي إلى عائلة جديدة، عائلة لا يجمعها الدم، بل الفكر المشترك. كنت أتعلم، أدوّن، أصغي… كأنني وجدت أخيرًا بيتًا فكريًا أرتاح فيه. ومع مرور الأيام، أصبحتُ واحدًا منهم، أحضر الاجتماعات، أشارك في النقاشات.

📜 التتويج الأول — من التلميذ إلى المرشد

مرّت شهور قليلة، لكنّها بدت لي كأنها سنوات من النضج. كنتُ أتعلم بنهمٍ غريب، أحفظ العهد القديم والجديد كما يحفظ العاشق قصيدته الأولى. صفحات الكتاب المقدّس كانت تتقاطع مع أسئلتي القديمة، وكنت أجد في بعض نصوصه أجوبة، وفي نصوصٍ أخرى شراراتٍ لأسئلةٍ أعمق.

لم أعد ذلك التلميذ الصامت في الصفوف الخلفية، بل صرتُ مرشدًا، أشرح وأناقش وأدعو الآخرين. كنا نخرج إلى الناس نحمل الكلمة كما يحمل الفلاح البذور، نزرعها في القلوب، فمنهم من يتقبّلها بودّ، ومنهم من يرفضها بعنف أو بسخرية. ومع ذلك، كنت أؤمن أنني أؤدي رسالة، رسالة تنشر النور في ظلمة الجهل، ولم أكن أدرك بعد أن هذا النور نفسه قد يخفي وراءه ظلًّا أطول مما تصورت.

وأعيش في يقينٍ لم يكن يقينًا كاملًا، بل سحابةً من الاطمئنان تغطّي فوق بحرٍ من الأسئلة.

🌒 بداية الشك — حين ارتفع صوت الحق الواحد

مرّت ست سنواتٍ كنت أظنها جدارًا من الإيمان لا يُهدم، سنواتٍ غمرتني فيها الطمأنينة واليقين، لكن في عمق هذا السكون، بدأت بذرة الشكّ تنمو ببطءٍ كالنبتة التي تشقّ صخرها في الخفاء.

بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا في أحاديثهم: كل فكرة عندهم كانت تدور في مدارٍ واحد، وكل سؤالٍ خارج النصّ يُعدُّ تمردًا. كانوا يهاجمون الآخرين يمينًا وشمالًا، يقولون: نحن فقط على حق، والحقّ لا يُوجد إلا في جماعتنا.

حينها شعرت أن في هذا اليقين ريحًا من الغرور، وأن الإيمان الذي لا يترك مساحة للشكّ هو إيمانٌ يخاف من الضوء. كنت أستمع إليهم، لكن قلبي بدأ يصغي إلى شيءٍ آخر، صوتٍ داخليّ يقول لي: “ابحث عن الله فيك، لا في كلماتهم.”

⚖️ المواجهة — حين يصبح السؤال خطرًا

حينها لم أعد أستطيع الصمت. بدأت أحثّ العائلات والجماعات التي كنت أعرفها، أحدثهم عن خطورة الفكر المغلق، عن الإيمان الذي يُبنى على الخوف لا على الفهم. كنت أشرح لهم بالحجة والمنطق، وكان بعضهم يصغي إليّ بانتباهٍ ويعيد النظر، بينما آخرون ظلّوا متصلبين، كأنّ عقولهم أغلقت أبوابها بالمفاتيح ذاتها التي سلّموها لغيرهم.

لكن كلماتي لم تمرّ بهدوء. سرعان ما وصل الخبر إلى كبار الشيوخ، وقالوا إنني أصبحت خطرًا على الجماعة. وفي أحد الأيام، جاء إلى ألمانيا أحد المسؤولين الكبار من بروكلين – أمريكا، وجرى ترتيب اجتماعٍ خاص في قاعة بمدينة كارلسروه. دام الاجتماع ثلاثة أيامٍ متواصلة، نقاشاتٌ طويلة ومراجعاتٌ فكرية لا تنتهي. كنت وحدي أمامهم، أطرح أسئلتي لا بدافع التحدي، بل بدافع الصدق. كنت أبحث عن الله، لكنهم كانوا يبحثون عن الطاعة.

🕯️ العزلة المفروضة — حين صار السلام خطيئة

بعد ثلاثة أيامٍ من النقاش، لم نصل إلى أي نتيجة. كنت أظن أننا نبحث معًا عن الحقيقة، لكنهم كانوا يبحثون عن خضوعي فقط. وفي نهاية اللقاء، سلّموا لي ما يشبه “الوصية الأخيرة”: ألا أجتمع مع أيٍّ من العائلات التي كانت يومًا أقرب الناس إليّ، ألا أزورهم، ولا حتى أمدّ يدي بالسلام إن صادفت أحدهم في الطريق.

تلك اللحظة كانت كطعنةٍ باردةٍ في القلب. كيف يمكن أن يُلغى الإنسان بقرارٍ مكتوب؟ كيف تُمحى الصداقات والذكريات بحبرٍ على ورق؟ خرجتُ من القاعة وأنا أشعر أن الهواء صار أثقل، وأن السماء فوقي أكثر صمتًا. لكن في أعماقي، كنت أعلم أن هذه العزلة لم تكن نهاية، بل بداية حقيقية لحريتي.

🌅 الانفصال — ولادة من العزلة

بعد تلك الوصية الباردة، وجدت نفسي فجأة خارج كل الدوائر. لم أعد أنتمي إليهم، ولا إلى العالم الذي كنت أعرفه. كانت العزلة ثقيلة في البداية، لكنها حملت في طيّاتها طعمًا غريبًا للحرية، كالهواء بعد المطر — رطب، نقي، ومليء برائحة البدايات.

كنت أمشي في شوارع كارلسروه كأنني أتعلم المشي من جديد، أراقب الوجوه، أستمع إلى أحاديث الناس، وأتساءل في داخلي: كم من هؤلاء يعيش بفكرٍ ورثه، لا بفكرٍ بناه؟

شيئًا فشيئًا، تحوّلت العزلة إلى مرآة. بدأت أرى فيها نفسي كما أنا، لا كما يريدونني أن أكون. كنت أقرأ كل ما تقع عليه يدي: في الفلسفة، في الأديان، في علم النفس، في الفيزياء. كنت أريد أن أعرف كل شيء، كمن يحاول أن يملأ فراغًا عمره آلاف السنين.

🌑 صمت ما بعد الرحيل

مرّت الأيام ببطءٍ كئيب، كأنها تجرّ أذيالها في داخلي. كنت أعيش بين الناس، لكنني لست منهم. أذهب إلى عملي، أضحك في وجوه الآخرين، لكن في أعماقي كانت الصحراء تمتدّ بلا نهاية.

لم أعد أثق بالكلمات، ولا أؤمن بالشعارات التي ترفعها الجماعات أو الطوائف. كنت أهرب من كل من يكلّمني باسم الله، لأنني رأيت كيف يُستخدم اسمه كسيفٍ لقطع القلوب عن بعضها.

ثلاث وثلاثون سنة مضت كرحلة في الظل. لم أكن فيها نائمًا، بل كنت أتعلم الصبر، أراقب الحياة وهي تعلّمني دون أن تنطق. تزوجت، ربيت أولادي، لكن داخلي كان ما يزال يبحث عن شيءٍ لا اسم له.

كنت أسمع أحيانًا نداءً خافتًا يأتي من بعيد، كصوتٍ من عمقٍ سحيق في الذاكرة: “لم تنتهِ الرحلة بعد… ما زال هناك معنى عليك أن تكتشفه.”

🌒 اللاانتماء — سقوط الجدران

بعد تلك السنوات من الصمت، لم يبقَ في داخلي جدار لم يتصدّع. لم أعد أستطيع أن أصدّق أي رواية دينية، ولا أن أقبل فكرة الإله كما تُروى في الكتب. كنت أرى أن الأديان لم تُوحِّد البشر، بل فرّقتهم، وأنها صنعت حدودًا بين من يؤمن ومن لا يؤمن، بين “نحن” و”هم”.

كنت أقول في نفسي: كيف يمكن أن يكون الله عادلًا، ثم يُقسِّم عباده إلى طوائف تتقاتل باسمه؟

وهكذا، صرتُ لا دينيًّا، لا لأنني كفرت بالوجود، بل لأنني لم أجد الله في الصورة التي رسموها لي. كنت أؤمن بأن هناك قوة ما، طاقة أعظم من أن تُختزل في دينٍ أو طائفة. لكنني رفضت أن أسمّيها إلهًا كما يريدون.

كنت أرى نفسي حرًّا لأول مرة، حرًّا من الخوف، من العقاب، من الجنة والنار، حرًّا من كل ما يُقاس بالترغيب والترهيب. كانت تلك الحرية قاسية، فالعقل الذي يتحرر من قيوده لأول مرة يجد نفسه في فضاءٍ بلا سقف، وفيه يختبر أجمل النشوات، وأقسى الوحدات.

🌘 عام 1995 – عام الانفصال الكبير

في سنة 1995، وضعتُ النقطة الأخيرة في آخر سطر من كتابٍ طويل اسمه شهود يهوه. خرجت من بينهم كما يخرج الطائر من القفص، بجناحين ضعيفين، لكن بروحٍ تتوق إلى السماء.

ذلك العام لم يكن مجرد تاريخ، بل كان ولادة ثانية، ولادة بلا قابلة، ولا طقوس، ولا شهود. كنت وحدي، أحمل في صدري فراغًا واسعًا، وفي رأسي أسئلة كأنها نجوم تنفجر في مجرّة الفكر.

كنت أنظر إلى الماضي كمن ينظر إلى رمادٍ ما زال ساخنًا. هل أخطأت؟ أم كنت أبحث فقط عن الله في المكان الخطأ؟

ومع مرور الأيام، بدأ الرماد يبرد، وبدأت أرى بوضوح: أنني لم أخرج من الدين فقط، بل خرجت من عقيدة الخوف.

كنت أقول لنفسي: “إن كان الله موجودًا، فلن يخاف من عقلي. وإن لم يكن موجودًا، فإن عقلي هو أعظم ما وهبته لي الطبيعة لأبحث به عنه.”

هكذا بدأت رحلتي الجديدة، رحلة البحث بلا مرشد، والإيمان بلا كتاب.

🔥 الاضطهاد الفكري — النار في الهشيم

وما إن خرجت من الجماعة، حتى انتشر الخبر بين الناس كالنار في الهشيم. في البداية كانت همسات، ثم صارت أحاديث على المقاهي، ثم تحوّلت إلى محاكمات علنية بلا قضاة ولا شهود.

قالوا عني مرتد، وقالوا ضلّ طريقه، وقالوا أصابه الجنون. لم يفهم أحد أنني لم أترك الله، بل تركت الصورة التي صنعوها له.

كنت أرى العيون التي كانت تبتسم لي بالأمس تنظر إليّ اليوم بشفقةٍ أو خوف، وكأنني أحمل وباءً روحيًا. حتى أقرب الناس إليّ ابتعدوا شيئًا فشيئًا، لأنهم لم يستطيعوا فهم ما لا يُرى.

لكنني لم أندم، لأنني كنت أشعر في أعماقي أنني أسير نحو النور، وإن كان النور بعيدًا. كنت كمن يخرج من كهفٍ مظلم إلى فضاءٍ لا نهاية له. الهواء كان باردًا، لكنه نقي، والوحدة كانت ثقيلة، لكنها صادقة.

ومن رحم تلك العزلة وُلد أول سؤال وجودي حقيقي في حياتي: “من أكون أنا خارج كل المعتقدات؟”

⚔️ العنف الفكري – معركة العقل

لكن العنف لم يتوقف عند الاتهامات. تحوّل إلى معارك فكرية، إلى نقاشاتٍ لا تنتهي، كنتُ فيها وحيدًا أمام جيوشٍ من الموروثات.

كانوا يجتمعون حولي كمن يحاصر فكرة، يصبّون عليّ سيلًا من الأسئلة، ويظنون أنهم يحاصرونني، بينما كنت أزداد اتساعًا بكل سؤالٍ جديد.

كثيرون منهم قالوا لي بصراحة:

“حججك قوية… لا نستطيع مجابهتك، لا يقدر على محاورتك إلا العلماء.”

كنت أبتسم حينها وأقول: “وهل يحتاج الإنسان إلى لقبٍ ليفكر؟ ألم يُعطَ الجميع عقلًا واحدًا من نفس المصدر؟”

لم أكن أجادل لأهزم أحدًا، كنت أبحث عن صدقٍ واحد في كل تلك الضوضاء. كنت أرى في الحوار مرآةً للعقول، وفي كل عجزٍ عن الردّ كنت أرى ظلّ خوفٍ يختبئ خلف الكلمات.

ومع مرور الأيام، بدأتُ أدرك أن هذا الصراع الخارجي كان في الحقيقة صورةً للصراع الداخلي في نفسي، بين ما ورثته، وما اكتشفته بنفسي، بين الإيمان الموروث…#المدرسة_الوجودية_السرمدية

نجم_الدين_ياسين

التعليقات مغلقة.