
قراءة سيادية في الحب الغريزي، الأيقونة، والخوف المقدّس
بقلم: نجم الدين ياسين
تمهيد
ضمن أفق المدرسة الوجودية السرمدية، لا يُنظر إلى الحب بوصفه قيمة مطلقة أو فضيلة بديهية، بل كقوة مزدوجة يمكن أن تكون أداة عمران أو وسيلة فناء. فليست كل تضحية بطولة، ولا كل عشق دليلاً على النقاء. هناك نوع من الحب لا يحرّر الإنسان، بل يستهلكه حتى التلاشي: العشق الانتحاري.
هذا المقال يحاول تفكيك هذا النمط من الحب، بوصفه نتاجاً لاختطاف الوعي، لا تعبيراً عن الفطرة.
أولاً: هل الحب الغريزي فطرة؟
تُقدَّم الأديان والأيديولوجيات الحب الأعمى على أنه “فطرة مقدسة”، غير أن التحليل العلمي والوجودي يكشف أن الفطرة الأصيلة للإنسان هي غريزة البقاء وطلب الأمان.
الإنسان كائن اجتماعي، يخشى العزلة، وقد ارتبط بقاءه تاريخياً بالانتماء إلى الجماعة. هذه الحاجة الطبيعية جرى استغلالها وتحويلها من انتماءٍ وقائي إلى ولاءٍ مطلق، تُقاس فيه القيمة الإنسانية بمدى الطاعة والاستعداد للتضحية.
ثانياً: من الحب إلى الحشو الدماغي
الاستعداد للموت من أجل فكرة أو رمز ليس حباً واعياً، بل نتيجة إعادة برمجة عصبية طويلة الأمد.
حين يُربط الدين أو الزعيم أو الأيديولوجيا بمعنى الوجود والكرامة والخلاص، يُعاد توصيل الدماغ بحيث تصبح الفكرة معادلاً للبقاء. في هذه اللحظة، يتراجع العقل التحليلي، وتتقدّم الغريزة البدائية، ويغدو الدفاع عن الأيقونة شبيهاً بالدفاع عن النفس أمام خطر وجودي.
هذا ليس حباً، بل ذعراً مبرمجاً.
ثالثاً: صناعة الأيقونة وإلغاء الإنسان
تتحوّل الشخصيات الدينية أو السياسية إلى أيقونات طاقية، تُنزَع عنها بشريتها، وتُغذّى حولها أساطير المظلومية أو القداسة أو الاصطفاء الإلهي.
النتيجة: ارتباط شرطي يجعل الإنسان يشعر أن حياته بلا قيمة خارج هذا الرمز، فيضحّي بنفسه دفاعاً عن كيان لم يعمّر له أرضاً، ولم يحرّر له عقلاً.
رابعاً: النفس المختطفة والحرب ضد الجسد
عندما تُختطف النفس بعيداً عن الوعي، تتحول إلى سلطة قمعية تمارس عنفها على الجسد ذاته.
الخلايا، التي غريزتها البقاء والنمو، تُدفَع قسراً نحو الفناء باسم العشق أو الشهادة أو الولاء. هنا لا يعود الجسد بيتاً للنفس، بل أسيراً لها. إنها حرب أهلية بيولوجية، تُرتكب تحت شعارات مقدسة.
خامساً: البركان والثعلب – نموذج الخوف المقدّس
في قصة البركان والثعلب، يتجلى النموذج التاريخي المتكرر للسيطرة:
البركان: الخطر الصامت غير المفهوم، الذي يُحوَّل إلى مصدر غضب مطلق.
الثعلب: مهندس الوهم، الذي يفسّر النار والدخان بما يخدم مصالحه.
الأسد: السلطة التي تحكم باسم هذا الخوف المقدّس.
هذا النموذج لم ينتهِ؛ بل تبدّلت أسماؤه. اليوم قد يكون البركان إرهاباً، أو أزمة وجودية، أو تهديداً أيديولوجياً، لكن الآلية واحدة: الخوف بدل الوعي.
سادساً: من العشق الانتحاري إلى المقاومة البنّاءة
عندما يبلغ الدمار حدّه، يتدخل الوعي بوصفه ضرورة بقاء.
يستعيد الضمير دوره كبوصلة، لا كأداة تعذيب، فتتكشف الدوافع المبيتة، وتسقط الهالة السحرية للأيقونات. عندها فقط، تتحول المقاومة من مقاومة انتحارية إلى مقاومة بنّاءة، تحمي الجسد وتصون الوجود.
الخلاصة الوجودية
ما يُسمّى فطرة في كثير من الخطابات ليس إلا تدجيناً لغريزة الانتماء.
الحب الحقيقي فعلٌ واعٍ، اختياري، يعمّر الإنسان ولا يطلب منه أن يفنى.
أما الموت من أجل وهم، فليس بطولة، بل انتحار سيادي مغلّف بالعاطفة.
الإنسان السيادي يحب بعين مفتوحة،
أما العبد فيحب بعين مغلقة.
ومن يموت ليحيا الوهم،
يفقد آخر ما يملكه: وعيه.

