
السيرة الذاتية رقم ٥
الفصل الخامس: بين لهيب الفرن ونار الحرب (بيروت 1970 – 1975)
بعد أسبوعين من النوم على عربة الخضار في ساحة الشهداء، أعلنت التحدي لواقعي، وأصبحت أكثر تأقلماً مع الوضع. بدأت أسير في الشوارع باحثاً عن عمل، وكل محل أمرّ به أسأل: “هل تحتاجون إلى عامل؟” لكن الجواب كان دائماً بالنفي. استغرقت أربعة ساعات كاملة، لم أترك محلاً إلا وطرقت بابه للسؤال.
في نهاية المطاف، وصلت إلى منطقة الجميزة في بيروت الشرقية المسيحية، فوجدت فرناً للخبز. دخلت وسألت: “هل تحتاجون إلى عامل؟”
قال لي صاحب الفرن: “ماذا تعرف أن تعمل؟”
قلت بصدق: “لم أعمل في فرن من قبل، ولكن إذا جربتموني، يمكنكم أن تقرروا بعد ذلك.”
فقال لي: “حسناً، تعال غداً وابدأ العمل.”
فقلت له: “أريد أن أبدأ الآن، لأنني لا أملك مأوى أنام فيه.”
أشفق عليّ وقال: “حسناً، تعال هنا. فوق سطح الفرن، بجوار جرن العجين، يوجد درج. اصعد، وهناك فرش يمكنك أن تنام عليه، والحمام أيضاً متاح.” فرحت فرحاً شديداً، وكأنني امتلكت الدنيا.
استقرار ونجاح مؤقت
في اليوم التالي، بدأت العمل. كنت أراقب العمال كيف يعجنون ويخبزون، والمعلم يراقبني عن كثب دون أن نتفق على أجر محدد. بعد أسبوع من التعلم والمراقبة، بدأت أعجن دون حاجة للسؤال عن المقادير.
بدأت رغبة المعلم وسلوكه يتغيران نحوي، وأصبح يعاملني كأحد أولاده. مرت الشهور وكنت أشعر بالسعادة والاستقرار. استمر هذا الوضع سنة كاملة. كونت أصدقاء كثيرين، وأصبح اسمي يلمع بين زبائن الفرن؛ فالكل كان يلجأ إليّ لأخبز لهم المناقيش.
صدمة الحرب الأهلية والعودة للصفر
لكن المصيبة الكبرى حلت بي، وحلت بـ “سويسرا الشرق”، لبنان الجميل. ففي عام 1975، أدى انفجار باص إلى اندلاع الحرب الأهلية التي طالت لسبعة عشر عاماً.
أصبح القتل يتم على الهوية والمذهب. كنا مسلمين (أغلب العمال)، ونسكن ونعمل في منطقة مسيحية، وكانت هويتنا معروفة للجميع، ولم نعد نستطيع الخروج من الفرن بسبب خطر الموت.
لجأت إلى أحد أصدقائي من حزب الكتائب اللبنانية، المعروف بعلاقته بعائلة الجميل. شكوت له وضعنا، موضحاً أننا خمسة عمال حياتنا في خطر وليس لنا علاقة بما يجري. رجوته أن يساعدنا ويخرجنا من المنطقة، التي كانت تهب عليها عاصفة من الحقد والانتقام.
الصديق لم يقصّر؛ جاء بسيارة جيب وأوصلنا نحن الخمسة إلى حدود المنطقة الغربية، حيث الأغلبية المسلمة. تفرقنا أنا وزملائي، ووجدنا نفسي متروكاً لوحدي من جديد.
في هذه الحالة، عدت إلى مربعي الأول: لا مأوى، لا مسكن، لا مال! ما العمل يا نجم الدين؟ فكر!
مشيت حوالي ستة كيلومترات حتى وصلت إلى منطقة الفنادق السياحية ببيروت. شاهدت المنظر وكأنني في العصر الحجري؛ لم يبقَ حجر على حجر من كثرة الدمار.
بحث بين الركام، كانت الأدراج كادت أن تقع، معلقة بشريطين حديد. الصعود مرعب والنزول منها بسلام كان معجزة. لكن إرادتي لم تتوقف هنا. أزحت الركام ونظفت الدرج حتى وصلت إلى إحدى الغرف في فندق هوليدي إن الشهير. بعد تنظيف الغرفة، ذهبت وبحثت في القمامة بجوار الأوتيل عن كراتين، وجمعت بعض مستلزمات الغرفة واشتريت بعض الأشياء الضرورية لكي أستقر فيها.
نجاح سريع في عائشة بكار
في اليوم التالي، بدأت البحث عن عمل من جديد. وصل بي الحال إلى منطقة عائشة بكار، بجوار بيت رئيس وزراء لبنان الأسبق سليم الحص. كان هناك فرن اسمه “فرن العائلات”.
سألت المعلم: “هل ترغبون بخباز؟”
فقال: “نعم. هل تعرف أن تخبز؟”
قلت: “كنت أعمل خبازاً في منطقة الجميزة.” فعرف المعلم اسم الفرن وصاحبه.
قال: “ابدأ من الآن. سأعطيك على كل كيس طحين 10 دولارات (أي ما يعادل كيس طحين بوزن 100 كيلوغرام).”
وافقت وبدأت العمل من لحظتها أمام فرن الخبز، والمعلم ينظر إليّ وهو يبتسم. عملت حوالي 10 ساعات، وأنجزت خلالها 10 أكياس. قبضت أجري بعد نهاية العمل: مائة دولار مقابل هذا الإنجاز.
تأملات ودروس من الفصل الخامس: أمانة الإنسان وكارثة العاصمة
كان هذا الفصل هو درس الاستقرار الهش وصدمة الكارثة الجماعية. لقد عشتُ في تلك الفترة مشهد سقوط بيروت الجميلة، التي كانت تُعرف بـ “سويسرا الشرق”، وتحولها إلى كومة من الركام.
هذا الدمار لم يكن قضاءً وقدراً عادياً، بل كان نتيجة مباشرة لـ الجهل المطبق ووراثة التراث التقليدي القائم على الانتقام والحقد الطائفي. في قلب تلك العاصمة الممزقة، أدركتُ أن هذا البلد الجميل لم يتحمل سوى قدر الإنسان الذي فشل في حمل الأمانة.
إن المصيبة الكبرى التي حلّت بلبنان كانت تكمن في الجهل برسالة الله التي تدعو للسلم. وكما قال الخالق سبحانه:
”وَ عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً”
لقد حمل الإنسان الأمانة العظيمة، لكن عندما سيطر الجهل والانتقام التقليدي، أصبح ظلوماً جهولاً، فكانت النتيجة دمار أعظم عاصمة. أما عني شخصياً، فكانت هذه الفترة هي التذكير بأن المهارة والعمل الجاد هما العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها في الحرب.



