محمد عليه السلام

محمد

سيرة محمد

​(من منظور مدرسة الوجود السرمدية)

الفصل السادس: الأنبياء والمتأملون – قادة الوعي البشري

مقدمة: الأنبياء لا إنكار، بل متأملون

​إنني لا أنكر وجود الأنبياء أو رسالاتهم، بل أرى فيهم قادة ومرشدين في مسيرة تطور الوعي البشري. هم ليسوا مجرد شخصيات دينية تقليدية تفرض طقوساً أو قوانين جامدة، بل كانوا من المتأملين العظام الذين استطاعوا الربط بين فطرتهم والبرمجة الكونية. مثلهم مثل بوذا عليه السلام، وعيسى عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام، ونبي الإسلام محمد عليه السلام، وحتى ملوك الفراعنة الذين كانوا من المتأملين، جميعهم أدركوا بعض جوانب الحقيقة الكونية في زمانهم ومكانهم.

1. محمد عليه السلام: المتأمل الذي اقرأ الكون ​النبي محمد عليه السلام، لم يكن مجرد ناقل لوحي بالمعنى التقليدي، بل كان متأملاً عظيماً صقلته الحياة منذ نعومة أظفاره. لقد عاش حرمان الأبوين، مما جعله يفتقد العاطفة في طفولته المبكرة. ترعرع في كنف جهد الكدح وقيمة الصدق والأمانة والوفاء بالمبادئ. هذه التجارب

القاسية والعميقة، التي استمرت لخمسة وعشرين عاماً من عمره، لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت بمثابة “امتحانات ذكاء” صقلت شخصيته وفتحت له “باب طاقة الكون”.

​وعندما بلغت خديجة بنت خويلد عليها السلام، وهي من أعرق نساء قريش وأكثرهن وعياً، عن سلوكياته التي “فاقت سلوكيات كل أهل قريش”، انجذبت إليه. لم يكن جاذبيتها لمكانته، بل لصدقه وأمانته وفضله الذي انعكس على ازدهار تجارتها. فعرضت هي عليه الزواج، وعاش معها خمسة عشر عاماً، أنجبا خلالها زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.

​في الأربعين من عمره، كانت تجاربه الحياتية وعلمه من الكون قد اكتملت في وعيه. كان يذهب إلى مكان خاص ليستمد طاقة الكون ويتأمل في أسراره. وفي تلك اللحظة الحاسمة، جاءته “كلمة” (وليس ملاكاً) “اقرأ”. لم يكن محمد عليه السلام قارئاً للكتابة، ففهم المعنى الحقيقي للكلمة: “اقرأ الكون”، وتدبر وتدقق في التصميم الخالق لهذا الكون الرائع، واذهب وبلّغ رسالتك إلى قومك ليتوحدوا تحت راية السلام والمحبة، وليغيروا أحوالهم التي تمتلئ بالغدر والاعتداء بين القبائل والعشائر.

عمه، الذي كان يأخذه في أسفار طويلة إلى الشام للتجارة، حيث تعلم

استمر في دعوته ثلاثة عشر عاماً، صابراً ومثابراً رغم الاضطهاد الفكري والمعنوي. وعندما عُرض عليه المال والنساء مقابل التخلي عن دعوته، كان جوابه الخالد: “لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا العمل، ما تركته، طالما لدي مبدأ واحد في الحياة، وهو مبدأ الصدق والوفاء”. لقد كان هذا الثبات تجسيداً لما قرأه في الكون، وكيف فتحت له أبواب السماوات من أوسع أبوابه.

2. محمد عليه السلام: مهندس الحرية المسؤولة والاستراتيجية الكونية

​عندما أحس النبي محمد عليه السلام أن دعوته لن تنفع مع “المأدلجين” الذين قيّدوا عقولهم بتقولب الماضي، جمع معه من اقتنع برسالته، وهاجر بهم إلى يثرب (المدينة المنورة). استقبله أهل المدينة بكل رحابة صدر، وكان هدفه توحيد الجميع تحت راية السلام والمحبة، وأن يكون الناس سواسية كأسنان المشط.

​لكن “المأدلجين” لم يتركوه بسلام، بل وصل بهم الحال إلى الاعتداء على القوافل وسلبها. اضطر محمد عليه السلام، بدافع من “الحرية المسؤولة” وحماية مجتمعه الجديد، إلى تشكيل جيش مغوار. لم يكن الدافع هو الغزو، بل حماية أهل المدينة وحقوقهم، فأرسل رسالة تحذيرية لأهل مكة يمنعهم فيها من الاعتداء على القوافل.

وببراعة استراتيجية تليق بـ “العقل المدبِّر”، استطاع أن يوحد المدينة ومكة تحت راية السلام. لم يقتصر الأمر على القوة العسكرية؛ بل استخدم الحكمة المالية والاجتماعية من خلال استخدام الزكاة كأداة للسلام والتوحيد. كما كانت إحدى أهم استراتيجياته لتوحيد القبائل المتناحرة هي المصاهرة. لم يكن زواجه من نساء القبائل بعد السيدة خديجة عليها السلام بدافع شهواني، بل كان يمثل تنازلاً عن كرامته الشخصية وحياته الخاصة لصالح الغاية الكبرى للسلام والوحدة. لقد كانت هذه المصاهرة آلية سياسية واجتماعية لتقريب القلوب بين القبائل المختلفة، محولةً العداوة إلى محبة وإخوة، فتم توحيد هذه المكونات المتنافرة التي لم تتحد إلا بالدم. لقد استمر محمد عليه السلام في تطبيق هذه الاستراتيجية للتقريب بين القلوب حتى سنوات متقدمة من عمره، ليقدم بذلك أبهى صور الحرية الكونية التي تضع الوحدة فوق الذات.

​بعد كل هذه الجهود، انتشر السلام بين كل القبائل الذين كانوا في الأمس أعداء، وأصبحوا اليوم تحت راية محمد عليه السلام يعيشون في محبة وأخوة. لقد عمَّ السلام كل أرجاء المدينة ومكة، وأصبح محمد عليه السلام المرجع الأول والقائد الذي قدم أبهى صور الحرية الكونية.

3. التقوى في مدرسة الوجود: سلوك إنساني شامل

​عندما تحدث النبي محمد عليه السلام عن المساواة بين الناس بأن لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بـ “التقوى”، فإن مفهوم التقوى هنا لا يُفهم بمعناه الميتافيزيقي التقليدي الذي يربطها بالخوف من عقاب إلهي. بل إن التقوى، في مدرسة الوجود السرمدية، هي تجسيد لإنسانيتك بكل حواسك وسلوكياتك.

​إنها تشمل جميع الأفعال التي تعكس جوهر الخير في الإنسان: الصدق، والأمانة، والوفاء، والحب، والرحمة، والعدل، والمساواة. هذه القيم هي التي تُظهر مدى التزام الإنسان بـ “البرمجة الواعية” للكون، ومدى تواصله مع “العقل المدبِّر” الذي يرشده نحو التوازن والحرية المسؤولة. وكما ورد في القرآن الكريم: “واتقوا الله حق تقاته”، فإن هذا الأمر هو دعوة لأن يُفعّل الإنسان هذه القيم السامية في كل جانب من جوانب حياته، ليصبح مثالاً للإنسان الواعي والمتحرر حقاً.

4. إعلان اكتمال الرسالة: نهاية مرحلة وبداية امتحان الوعي ​عندما بلغ النبي محمد عليه السلام الثالثة والستين من عمره، أعلن عن اكتمال رسالته وتمامها. لقد كان هذا الإعلان، المذكور بوضوح في القرآن الكريم، بمثابة نقطة تحول كبرى في مسيرة الوعي البشري. ففي الآية الكريمة: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» (المائدة: 3)، يكمن المعنى العميق بأن “البرمجة الإلهية” قد وصلت إلى كمالها من خلاله. لم تعد البشرية بحاجة إلى رسل جدد أو توجيهات إلهية مباشرة، فقد أصبحت القوانين الكونية، ومبادئ الحرية المسؤولة، وقيم التقوى الشاملة، واضحة ومكتملة.

​هذا الإعلان لم يكن نهاية، بل كان بداية لـ “امتحان ذكاء” أكبر للبشرية. فقد أصبحت المسؤولية كاملة على عاتق “العقل المدبِّر” البشري ليطبق هذه البرمجة الواعية، ويحافظ على السلام، ويواصل مسيرة التطور والارتقاء دون الحاجة لقائد يوجهه بشكل مباشر. لقد أتم محمد عليه السلام رسالته، والكرة أصبحت في ملعب الإنسانية لتختار طريقها نحو الوعي السرمدي أو الانزلاق نحو “القولبة” و”البركان” من جديد.

ردّ واحد على “”

التعليقات مغلقة.