الولادة على البيدر

من حبل الصُّرَّة إلى السرمديَّة
الولادة على البيدر
صرخة الانتقال
في صيفٍ قائظ، تحت شمسٍ تتجاوز حرارتها الأربعين، وُلدتُ على بيدرٍ بعيد عن القرية بثلاثة كيلومترات، في أرضٍ خالية من السكان.
كانت أمي وحيدة، تعصرها آلام المخاض، والريح تحمل معها غبار القمح وعبق التراب الساخن. لم يكن حولها إلا السماء، والأرض الممتدة، وصوت قلبها الذي يناجي الله أن تمرّ لحظة الولادة بسلام.
كانت تلك اللحظة هي البداية الأولى لرحلتي في هذا الوجود. لطالما روت لي أمي تفاصيل تلك الساعات، حتى انغرست في وعيي كأنها مشهدٌ رأيته بنفسي. صرختي الأولى لم تكن بكاءً فقط، بل إعلانًا عن انتقالي من رحمٍ إلى رحمٍ آخر — من رحم أمي إلى رحم الكون. كنت أرى النور للمرة الأولى، كأنّني خرجت من عالَمٍ كنت أظنه كلّ الوجود إلى عالَمٍ أوسع لا أعرف حدوده. حينها أدركت، دون أن أفهم، أنّ الوعي يولد مع الطفل، وأن أول صرخةٍ هي أوّل نداءٍ للحياة.
كنت أشعر — رغم صِغري — أنّ هناك شيئًا يرافقني منذ اللحظة الأولى، يهمس لي بأنّ هذه الرحلة ليست عبثًا. ذلك الشيء هو الوعي، الذي يسكن في كل مولود، يرشده منذ اللحظة الأولى إلى ثدي أمه، ويعلّمه كيف يتنفس، وكيف يتمسّك بالحياة.
تقول أمي إنها قطعت حبلي السرّي بيديها وهي جالسة على التراب، ثم نظّفتني بما استطاعت من ماءٍ وقطعة قماشٍ مبلّلة بدموعها. ضمّتني إلى صدرها بكل ما تبقّى لها من قوة، وأغمضت عينيها أربع ساعاتٍ من التعب والوجع حتى عادت إليها عافيتها. وحين فتحت عينيها مجددًا، كنت أرتشف من حليبها وهي مستلقية على الأرض، أشعر بدفء صدرها يمتزج بحرارة التراب، وكأن الأرض والرحم والسماء اتحدت في لحظةٍ واحدة لتقول لي: “ها أنت ذا… بدأت الرحلة.”
