
من حبل الصُّرَّة إلى السرمديَّة
سيرة ذاتية: دروس بالنار وبالنور الفصل الثاني: بين المحصول والبلاغ المبين
(النجاة وبناء الأمان الأول)
بعدما هُدِمَ بيتنا، وجدنا أنفسنا بلا مأوى. لم يتبقَ لنا شيء، فاضطررنا إلى الرحيل عن قرية “نجموك” والانتقال إلى قرية “أبو راسين”. عند وصولنا، كان عمي محمد ياسين يسكن هناك مع عائلته، ولكن علاقته بأمي لم تكن جيدة. أمي وأنا وأختي زبيدة كنا وحدنا، وبلا ملجأ. اختارت أمي أن نمضي الأيام الأولى ضيوفاً عند إحدى صديقاتها، وبقينا على هذا الحال قرابة أسبوعين.
لم تكتفِ أمي بالمبيت عند صديقتها، بل سارعت إلى العمل. فقد كان لوالدي أرض زراعية، وبعد شهر من الجهد، أخرجت أمي محصول القمح وباعته، وبثمنه أعادت لنا الأمان؛ فقد بَنَت لنا بيتاً صغيراً يتكون من غرفتين في قرية أبو راسين، واستقرينا فيه. كنا نسكن أنا وأختي زبيدة وأمي في هذا البيت.
طريق العلم والشيخ مجيد
في هذه الأثناء، أخذتني أمي إلى شيخ القرية لكي أتعلم القراءة والكتابة. ذهبنا سوياً، وقالت أمي للشيخ: “أريد منك أن تُعلّم نجم الدين القراءة والكتابة.”
رحب بي الشيخ مجيد، وقال لها: “أهلاً وسهلاً بابنك. كان والده، فضيلة الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله)، شيخاً وقوراً، وأنا أفتخر أن أعلمه. سأبذل كل الجهد، وأُخرِجُ منه خلال ستة أشهر من يحفظ القرآن ويكتب.”
خرجنا من عند الشيخ، وبتنا تلك الليلة على وعد. وفي اليوم التالي، ذهبت وبدأت رحلتي. بدأ الشيخ يعلّمني الأحرف الأبجدية: (أ، ب، ت، ث…). أمسكني بالقلم ويده بيدي، وكأننا نرسم لوحة. خلال شهر واحد، كنت قد أتقنت الأحرف وربطتها ببعضها، وبدأنا باجتياز الامتحانات. بعدما تعلمت الكتابة، انتقلنا إلى القراءة والحفظ. وخلال ستة أشهر، كنت قد أتممت حفظ جزء عمّ.
التفوق المبكر والتحديات الاقتصادية
بعد إتمام هذه المرحلة، سجلتني أمي في مدرسة قرية أبو راسين وكان عمري وقتها ست سنوات، ودخلت الصف الأول. كنت من الأوائل المتفوقين، وعندما لاحظ المعلم ومدير المدرسة تفوقي على زملائي، أجروا لي اختباراً للصف الثاني. نجحت في الاختبار، فقرر المدير نقلي مباشرة إلى الصف الثالث الابتدائي.
في تلك الأثناء، ظل اعتمادنا الأساسي على الزراعة. كانت أمي تجمع محصول القمح وتبيعه لتأمين مصاريف الحياة. بعد ثلاث سنوات، أنهيت دراستي الابتدائية. كان لا بد لي من الانتقال إلى مدينة القامشلي لإكمال المرحلة الإعدادية، تاركاً القرية خلفي. لكن الصعوبة كانت تكمن في المدينة؛ لم يكن لنا مسكن، ولم يكن لدى أمي القدرة المادية لتسجيلي في المدرسة الإعدادية.
اضطرت أمي أن أتوقف عن الدراسة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وبدأت العمل معها ومساعدتها في الزراعة وتربية المواشي.
زواج الأم والملجأ الجديد
عندما بلغتُ الثالثة عشرة من عمري، تزوجت أمي بأحد الرجال، وكان اسمه داود (رحمه الله). كان بمثابة أب حنون وحكيم لنا. كان بيته يبعد عن بيتنا قرابة 400 متر، وكان يمتلك حوالي 300 رأس من الغنم. بقيت أنا وأخي الأصغر
