
: بين لهيب الفرن ونار الأمانة
بين لهيب الفرن ونار الأمانة (1970 – 1975)
الجميزة: ولادة الحرفي من رحم العدم
بعد أسبوعين من النوم على عربة الخضار في ساحة الشهداء، أعلنتُ التحدي. كانت الشوارع هي امتحاني الأخير، أربع ساعات كاملة من “النفي” المتكرر. إلى أن وصلتُ إلى فرن الجميزة، حيث الجواب كان: “ابدأ الآن”.
لم أطلب مأوى، بل طلبتُ عملاً، فوهبني صاحب الفرن سقفه، وغرفة نوم مؤقتة بجوار جُرن العجين. فرحتُ كمن امتلك الدنيا، لأنني امتلكتُ نقطة انطلاق جديدة.
في لهيب الفرن، وُلِدَ الحرفي. سنة كاملة من المراقبة والصمت والعمل، حتى أصبح العجين طوع بناني. لم أعد أسأل عن المقادير، وأصبح اسمي يلمع بين الزبائن. المهارة والنجاح ليسا هبة، بل اكتساب يولد من رحم الضرورة.
سقوط سويسرا الشرق وعقوبة الجهل
ثم حلت الكارثة الكبرى: نار الحرب الأهلية (1975). سقطت “سويسرا الشرق”، وتحول الجمال إلى ركام. أصبح القتل بالهوية والمذهب، ونحن العمال المسلمون، حوصرنا في المنطقة المسيحية.
لجأتُ إلى صديق الكتائب اللبنانية، الذي أظهر أن الإنسانية تتجاوز الحزبية، فأنقذنا من عاصفة الحقد. تفرقنا، وعُدتُ إلى مربع الصفر الوجودي: لا مأوى، لا مسكن، لا مال.
مشيتُ إلى منطقة الفنادق المدمرة، حيث كان هوليداي إن مجرد هيكل عظمي معلّق على شريطي حديد. الصعود إلى الغرفة كان معجزة، لكن إرادتي لم تتوقف. أزحتُ الركام، نظفتُ الغرفة، وبحثتُ في قمامة الأوتيل عن كراتين لأستقر.
إرادتي لم تتوقف. أزحتُ الركام، نظفتُ الغرفة، وبحثتُ في قمامة الأوتيل عن كراتين لأستقر.
عائشة بكار: المهارة هي العملة الوحيدة
في اليوم التالي، عثرتُ على فرن “العائلات” في عائشة بكار. لم أسأل عن فرصة، بل قدمتُ نفسي خبازاً. سألني المعلم: “هل تعرف أن تخبز؟” قلت: “كنت أعمل خبازاً في الجميزة.”
المهارة تحدثت بدلاً عني.
بدأت العمل فوراً، وأنجزت عشرة أكياس طحين في عشر ساعات. قبضتُ مائة دولار، وهي ثمن إنجاز، وليست ثمن وقت. هذا كان درسي الحقيقي: المهارة المتقنة هي الملجأ الحقيقي الذي لا تسقطه الحرب.
تأملات وجودية: الأمانة وسقوط الإنسان
كان هذا الفصل شهادة على سقوط الأمانة الكونية. لم يكن دمار بيروت قدراً عادياً، بل نتيجة مباشرة لـ الجهل المطبق ووراثة التراث التقليدي القائم على الانتقام والحقد الطائفي.
“وَ عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً”
حمل الإنسان الأمانة العظيمة، ولكن عندما سيطر الجهل والانتقام التقليدي (الظلم الوجودي)، تحولت أعظم عاصمة إلى ركام. أما أنا، فقد علمتني الحرب أن العمل الجاد هو العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها في لهيب الكارثة.
❤️ الفصل السادس: جغرافية الحب ومفاجأة القدر (1975 – 1979)
1. استقرار الروح وعبادة المهارة
أربع سنوات من الجهد المتواصل، كانت غرفة هوليدي إن المدمرة ملجأي، وكان فرن “العائلات” معبدي. في ذلك اللهيب، صعد أجري إلى 150 دولاراً في اليوم، دليلاً على أنَّ المهارة هي العملة الخالدة التي لا تسقطها الحرب.
في خضم هذا الاستقرار المهني، ظهر الوجه المألوف الذي كان يطلب المناقيش بذاتي؛ امرأة كانت تتجاوز العمال، تبحث عن صانع اللقمة الروحية. لم أكن أعرفها، لكن مع تكرار اللقاء، بدأ الفكر والعاطفة يتجاوزان حدود العجين والفرن.
2. شجاعة الاعتراف: كسر حاجز الخوف
بعد سنوات من العيش تحت سياط الاتهام والخوف، كان يجب أن أعلن إرادتي الحرة في الحب. قررتُ أن أصارحها، وأن أُلقي بنهاية الخوف على عتبة القرار: “مهما حصل، لن ألوم إلا نفسي.”
جاءت لطلب المناقيش، فقلت لها بقوة صادقة: “شرط ألا تغضبي مني… مشاعري في هذه الأيام لم تعد تفكر إلا فيكِ.”
كان الجواب المتبادل هو جبر الخاطر المطلق: “هذا الشعور متبادل، كنتُ أنتظر أن تقولها أنت.“
منذ تلك اللحظة، تحولت جغرافية المشاوير من سبعة كيلومترات سيرًا في الغربة (كما في الفصل الرابع) إلى عشرة كيلومترات من اللقاء الروحي على الشواطئ، حيث يمضي الوقت كـ “ربع ساعة” فقط. لقد شفى الحب قسوة الجغرافيا.
. القدر يعيد صياغة الروابط
بعد ستة أشهر من الحب، قررت أن أعود إلى الشكليات: طلبها للزواج. على عتبة بيتها، ارتجف الجسد كله؛ كان ارتجافاً من خوف الرفض بعد كل ما مررت به من خذلان الأقارب.
دققت الجرس. قدمتُ نفسي: “نجم الدين ياسين، ابن الشيخ أحمد ياسين، وأمي عالية.“
فجاءت المفاجأة الوجودية التي أعادت ترتيب خارطة العائلة: “أنت نجم الدين ابن عالية؟… عالية تكون بنت أختي عائشة!“
لقد أراد القدر أن يعيدني إلى عائلتي من أوسع الأبواب وأجملها. فبعد أن طُردتُ من أعمامي وأخوالي، جاء الحب ليُعيدني إلى جدور نسب الأم، وليثبت أنَّ الروابط الحقيقية لا تنقطع. إنه تعويض إنساني عظيم للمجتهد الذي لم ييأس.
التالي >>>

