تنزيه المطلق من الأنسنة في النصوص الإبراهيمية

تجسيد للوجودية السرمدية من خلال الكتابة وتحريك قوى الكون.

مقاربة نقدية من منظور الوجودية السرمدية

الملخص

تتناول هذه الدراسة نقد التصورات الإلهية الواردة في النصوص الإبراهيمية، من زاوية فلسفية وجودية سرمدية، تفترض أن المطلق لا يمكن اختزاله في اللغة البشرية، ولا إخضاعه لمنطق السلطة، أو الحرب، أو الجباية. وتجادل بأن كثيراً من الصفات المنسوبة إلى الإله في هذه النصوص تعكس البنية النفسية والسياسية للمجتمعات المنتجة لها، أكثر مما تعكس حقيقة وجودية مطلقة.

1. الإطار النظري: الوجودية السرمدية

تنطلق الوجودية السرمدية من مسلّمة أساسية مفادها أن المطلق هو قانون الوجود نفسه: وعي، انتظام، واستمرارية، لا كياناً شخصانياً منفعلاً. وبناءً عليه، فإن كل وصف ينسب إلى المطلق انفعالاً بشرياً (غضب، لعن، انتقام، حلف، تحريض) يُعد إسقاطاً أنثروبولوجياً، لا حقيقة وجودية.

2. إشكالية أنسنة الإله

تُظهر النصوص الإبراهيمية الإله في كثير من المواضع بوصفه فاعلاً تاريخياً مباشراً:

يأمر، يلعن، يحلف، يحرّض، ويكافئ ويعاقب ضمن منطق سياسي–عسكري.

من منظور وجودي سرمدي، تمثل هذه الصورة هبوطاً بالمطلق من مستوى القانون الكوني إلى مستوى الفاعل القبلي، حيث يصبح الإله انعكاساً مكبّراً لبنية السلطة البشرية.

3. اللغة الانفعالية وسقوط التنزيه

اللعن، والسب، والحلف، أدوات لغوية تنتمي إلى مجال الإقناع البشري، وتُستخدم لتعويض ضعف الحجة أو فرض الهيمنة الرمزية.

القانون الكوني لا يحلف، ولا يشتم، ولا يحتاج إلى تأكيد صدقه؛ إذ إن تجلّيه في انتظام الوجود هو برهانه الوحيد.

وعليه، فإن إقحام هذه الأدوات في الخطاب الإلهي يشير إلى بشرية المصدر اللغوي لا إلى قداسة المضمون.

4. الإله والحرب: من المطلق إلى القائد العسكري

تُسند النصوص أوامر تفصيلية بالقتل، والإبادة، والترهيب، وتقسيم الغنائم إلى الإله مباشرة.

غير أن التحليل الفلسفي يكشف أن:

الحرب نشاط بشري صرف، مرتبط بندرة الموارد وصراع السلطة.

المطلق، بوصفه مصدر الوجود، لا يمكن أن يكون طرفاً في صراع بين أجزائه.

تحويل الإله إلى “قائد أركان” يشرعن العنف، ويمنحه حصانة أخلاقية زائفة.

5. الغنائم والجباية: الاقتصاد المقدس

يبلغ الإسقاط ذروته عندما يُصوَّر الإله شريكاً في الغنائم.

فمن منظور وجودي:

المطلق لا يملك ولا يفتقر.

نسب الحصص المالية إلى الإله ليست سوى آلية رمزية لإضفاء الشرعية على الجباية.

القداسة هنا تتحول إلى أداة اقتصادية في خدمة السلطة.

6. اقتران المطلق بالبشر: إشكالية الطاعة

إن اقتران طاعة الإله بطاعة شخص تاريخي واحد يُنتج عملياً ازدواجية في المطلق، ويحوّل العصيان السياسي إلى جريمة كونية.

وهذا يتعارض جذرياً مع مفهوم التنزيه، ويكشف عن وظيفة النص كأداة ضبط اجتماعي.

7. المكي والمدني: النص بوصفه استجابة للسلطة

التفاوت الحاد بين الخطاب السلمي في مرحلة الضعف، والخطاب العنيف في مرحلة القوة، يشير إلى أن النص:

يتغير بتغير ميزان القوة

يعكس شروط الواقع السياسي

لا يمثل خطاباً كونياً ثابتاً

المطلق، وفق الوجودية السرمدية، لا يتمسكن ليتمكن، ولا يغيّر أخلاقه بتغير الجغرافيا.

8. الشعائر: من الروح إلى المراقبة

تُقرأ الصلاة الجماعية، والزكاة، والحج – في هذا التحليل – كأنظمة:

مراقبة اجتماعية

تمويل مركزي

ترسيخ رمزي للسلطة

وهي وظائف بشرية–سياسية، لا لوازم وجودية لمعرفة المطلق.

9. الانتحال الأسطوري وتزوير التاريخ

تكشف المقارنة التاريخية أن كثيراً من السرديات الإبراهيمية تستند إلى أساطير أقدم (رافدية، مصرية، فارسية)، مع إعادة توظيفها ضمن إطار سلطوي جديد.

الوجود لا يحتاج إلى استعارة أساطير ليثبت نفسه؛ أما النص البشري فيفعل.

الخاتمة

تخلص الدراسة إلى أن الصورة الإلهية في النصوص الإبراهيمية هي نتاج تاريخي–سياسي، لا تعبيراً عن المطلق في ذاته.

المطلق، وفق المدرسة الوجودية السرمدية، هو:

انتظام الوجود،

وعيه المتجلي،

وقانونه الذي لا يحتاج إلى سيف،

ولا نص،

ولا وسيط.

أما تحرير الوعي، فلا يتم عبر استبدال عقيدة بأخرى، بل عبر تحرير مفهوم الإله من الأنسنة، وإعادته إلى أفقه الكوني المفتوح.